المقريزي
93
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
لمن مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال : استأمر امرأتي . وقال : إن فرعون لما غرق ومعه أشراف مصر . لم يبق من الرجال من يصلح للمملكة ، فعدّ الناس في مراتبهم بنت الملك ؛ ملكة وبنت الوزير وزيرة وبنت الوالي وبنت الحاكم على هذا الحكم ، وكذلك بنات القوّاد ، والأجناد فاستولت النساء على المملكة مدّة سنين وتزوّجن بالعبيد واشترطن عليهم أن الحكم والتصرف لهنّ . فاستمرّ ذلك مدّة من الزمان ، ولهذا صارت ألوان أهل مصر سمرا من أجل أنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق ، واستولدوهنّ ؟ ! . وأخبرني الأمير الفاضل الثقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكركيّ رحمه اللّه تعالى : أنه مذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه وترخصا لأهله ولينا ورقة طبع من قلة الغيرة ، ومما لم نزل نسمعه دائما بين الناس إن شرب ماء النيل ينسي الغريب وطنه . ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدّخرون عندهم زادا كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان بل يتناولون أغذية كل يوم من الأسواق بكرة وعشيا . ومن أخلاقهم : الانهماك في الشهوات والإمعان من الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه اللّه تعالى : أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب . وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان ، وأخلاق سكانها فقال : إن اللّه تعالى لما خلق الأشياء جعل كل شيء لشيء فقال العقل : أنا لاحق بالشام ، فقالت الفتنة : وأنا معك ، وقال الخصب : أنا لاحق بمصر ، فقال الذل : وأنا معك ، وقال الشقاء : أنا لاحق بالبادية ، فقالت الصحة : وأنا معك . ويقال : لما خلق اللّه الخلق خلق معهم عشرة أخلاق : الإيمان والحياء والنجدة والفتنة والكبر والنفاق والغنى والفقر والذل والشقاء ، فقال الإيمان : أنا لاحق باليمن ، فقال الحياء : وأنا معك . وقالت النجدة : أنا لا حقة بالشام ، فقالت الفتنة : وأنا معك . وقال الكبر : أنا لاحق بالعراق ، فقال النفاق : وأنا معك . وقال الغنى : أنا لاحق بمصر ، فقال الذل : وأنا معك . وقال الفقر : أنا لاحق بالبادية ، فقال الشقاء : وأنا معك . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : المكر عشرة أجزاء . تسعة منها في القبط وواحد في سائر الناس . ويقال : أربعة لا تعرف في أربعة : السخاء في الروم ، والوفاء في الترك ، والشجاعة في القبط ، والعمر في الزنج . ووصف ابن العربية « 1 » أهل مصر فقال : عبيد لمن غلب . أكيس الناس صغارا ،
--> ( 1 ) هو عثمان بن عتيق بن عثمان القيسي أبو عمرو المعروف بابن عربية شاعر من فضلاء المهدية بالمغرب ولد سنة 600 ه وتوفي سنة 659 ه أعلام ج 4 / 209 .